أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يتولاك في الدنيا والآخرة ، وأن يجعلك مباركاً أينما كنت ، وأن يجعلك ممن إذا أُعطي شكر ، وإذا ابتُلي صبر ، وإذا أذنب استغفر ، فإن هؤلاء الثلاث عنوان السعادة.

رؤيا في عالم البرزخ

رؤيا في عالم البرزخ

روى البخاري ومسلم عن سمرة بن جندب -رضي الله عنه- قال: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مِمَّا يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ لأصحابه: هل رأَى أحدٌ منكم من رؤيا ؟

فَيَقُصُّ عليه ما شاء الله أن يقصَّ، وإنه قال لنا ذَاتَ غَدَاةٍ:

إنه أتاني اللَّيْلَةَ آتيان، وإنَّهُما ابْتَعَثَانِي، وإنَّهُمَا قالا لي: انطَلِقْ، وإنَّي انطلقتُ معهما، وإنَّا أتَيْنا على رَجُلٍ مُضْطَّجِعٍ، وإذا آخرُ قائمٌ عليه بصَخْرةٍ، وإذا هو يَهْوِي بالصخرةِ لرأْسِهِ، فَيَثْلَغُ رَأْسَهُ فَيَتَدَهْدَهُ الحَجرُ ها هنا، فَيَتْبَعُ الحجرَ فيأخُذُهُ، فلا يرجِعُ إليه حتَّى يصِحَّ رأْسُهُ كما كان، ثم يعود عليه، فيفعلُ به مثلَ ما فعلَ المرةَ الأولى.

قلتُ لهما : سبحانَ الله ! ما هذا ؟

قالا لي: انْطَلِقْ ، انْطَلِقْ

فأتينا على رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لقفاهُ، وإذا آخرُ قائمٌ عليه بِكَلُّوبٍ من حديد، وإذا هو يأتي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ، فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إلي قَفاهُ، ومِنْخَرَهُ إلى قفاهُ، وَعَيّنَهُ إلى قفاهُ ثم يتحَوَّلُ إلى الجانب الآخر، فَيَفْعَلُ به مثل ما فَعَل بالجانب الأول، فما يفْرَغُ من ذلك الجانب حتى يصِحَّ ذلك الجانبُ كما كان، ثم يعود عليه، فيفعَلُ مثلَ ما فَعَلَ المرّةَ الأولى.

قلتُ : سبحان الله !! ما هذا ؟

قالا لي : انْطَلِقْ ، انْطَلِقْ

فانطَلَقنا، فَأَتيْنا على مثل التَّنُّورِ [أعلاهُ ضَيِّق، وأسفله واسعٌ تَتَوقَّدُ تحته نارٌ]، فإذا فيه لَغَطٌ وأصواتٌ، فاطّلَعْنا فيه، فإذا فيه رجالٌ ونساءٌ عُراةٌ، وإذا هُمْ يأتيهم لَهبٌ من أسفلَ منهم، فإذا أَتاهم ذلك اللَّهبُ ضَوْضَوْا، [فإذا ارتقت ارتفعوا، حتى كادوا أن يخرُجوا، وإذا خَمَدَتْ رَجَعُوا فيها.]

قلتُ لهما : ما هؤلاء ؟

قالا لي انْطَلِقْ ، انْطَلِقْ

فانطَلَقنا، فَأتينَا على نَهْرٍ أحْمَرَ مِثْل الدَّم وإذَا في النَّهْرِ رجُلٌ سابِحٌ يسْبَحُ، وإذا على شط النهر رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عنْدهُ حِجَارَة كَثيرة، وإذا ذلك السابح يسْبَحُ ما سَبَحَ، ثم يأتي ذلك الذي قَد جَمَعَ عنْده الحجارة، فَيَفْغَرُ فَاهُ، فَيُلْقِمُهُ حَجَرا، فيَنْطَلِقُ فيَسْبَحُ، ثم يرجعُ إليه، كُلَّما رَجع إليه فَغَر فَاهُ، فأَلْقَمَهُ حجرا،

قلتُ لهما : ما هذا ؟

قالا لي : انْطَلِقْ ، انْطَلِقْ

فانطَلَقْناَ، فَأَتيْنا على رَجُل كَرِيه المَرْآة، أَو كَأكْرَهِ مَا أنت رَاءٍ رجُلا مَرْأى، وإذا عندَهُ نَارٌ يَحُشُّهَا ويَسْعَى حَوْلَهَا.

قلتُ لهما : ما هذا ؟

قالا لي : انْطَلِقْ ، انْطَلِقْ

فانطَلقنا، فَأَتيْنا على رَوْضَةٍ مُعَتَّمَةٍ مُعْشِبَةٍ، فيها من كل نَوْر الرَّبيع، وإذَا بيْنَ ظَهْرَيْ الرَّوَضةِ رَجُلٌ طَوِيلٌ، لا أكادُ أرى رَأْسَهُ طُولا في السَّمَاءِ، وإذا حَوْلَ الرَّجُلِ من أكثر ولْدَانٍ رأيتُهم قَطُّ.

قلتُ لهما : ما هذا ؟ ما هؤلاء ؟

قالا لي: انْطَلِقْ ، انْطَلِقْ

فانطَلقنا، فَأَتيْنا على دوْحةٍ عَظيَمة، لم أرَ دَوْحَة قطّ أعظَم منها ولا أحْسَن

قالا لي : ارْق فيها

فَارتَقَيْنَا فيها إلى مَدينةٍ مبنيَّة بلبِنٍ ذَهَبٍ ولَبِنٍ فِضَّةٍ، فَأتينا بابَ المدينةِ، فَاْستفتحنا، ففُتِحَ لنا، فدخلناهَا، فَتَلَقَّانَا رِجالٌ شَطْرٌ من خَلقِهم كأحْسَنِ ما أنتَ رَاءٍ، وشَطْر منهم كأقْبَح ما أنتَ رَاءٍ،

قالا لهم: اذْهَبُوا فَقَعُوا في ذلك النهر،

قال: وإذَا نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ يجري كأنَّ مَاءهُ الْمحض في البياض، فَذَهَبَوا، فَوَقَعُوا فيه، ثم رَجعوا إلينا قد ذَهب ذلك السوءُ عنهم، فصارُوا في أحْسَنِ صُورَةٍ ،

قالا لي : هذه جَنَّةُ عَدْنٍ ، وهَذَاك منزلكَ

قال : فَسَما بَصري صُعُدا ، فإذا قَصْرٌ مِثْلُ الرَّبَابةِ البيضاء

قالا لي : هَذا منزلُك

قلتُ لهما : بارك اللَّهُ فيكما، فَذَرَانِي فأدْخُلَهُ

قال : أما الآنَ فلا ، وأنت دَاخِلُهُ

قلت لهما : فإني رأَيتُ منذُ الليلة عجبا، فما هذا الذي رأيتُ ؟

قالا لي : أمَا إنَّا سَنُخْبِرُك

أمَّا الرجل الأول الذي أتيتَ عليه يُثْلَغُ رأْسُه بالحجَرِ، فإنَّهُ الرجلُ يأخذ القرآن، فيرفُضُه، وينام عن الصلاة المكتوبة.

وأنّ الرجل الذي أتيتَ عليه يُشَرْشَرُ شِدْقُه إلى قفاه، ومِنْخَرُه إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، فإنه الرجل يَغْدُو من بيته، فيكذِبُ الكَذْبة تبلغُ الآفاق.

وأما الرِّجال والنساءُ العراةُ الذين هم في مثل بناء التَّنُّور، فإنهم الزُّنَاةُ والزَّواني.

وأما الرَّجُلُ الذي أتيتَ عليه يَسبْحُ في النهر، ويُلْقَمُ الحجارةَ، فإنه آكلُ الرِّبا.

وأما الرجلُ الكريه المرْآة الذي عند النار يَحُشُّها ويسعى حولها، فإنه مالِكٌ خازنُ جهنم.

وأَما الرجل الطويل الذي في الروضة، فإنه إبراهيم، وأما الْوِلْدَانُ الذين حَوْلَه، فكل مولود مات على الفِطْرة.

فقال بعضُ المسلمين : يا رسول الله : وأولاد المشركين ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأولادُ المشركين.

وأَما القوم الذين كانوا شَطْرٌ منهم حَسَنٌ، وشطر منهم قبيحٌ، فإنهم قومٌ خَلَطُوا عملا صالحا وآخر سيئا، تجاوَزَ اللَّهُ عنهم.

_________________________

[شَرْحُ الْغَرِيبِ]

ابتعثاني : الابتعاث : الإنباه والإثارة من النوم.

يهوي : الهوي : الوقوع من العلو إلى السفل.

فيثلغ : الثلغ : الشدخ ، وقيل : هو أن يضرب الشيء اللين بالشيء الصلب حتى ينشدخ.

فيتدهده : التدهده : التدحرج.

بكلوب : حديدة معوجة الرأس يُنشل بها اللحم ويعلق.

فيشرشر : يقطع ويشق.

لغط: ضجة وجلبة.

ضوضوا : أصوات الناس وغلبتهم.

فغر فاه : إذا فتحه.

كريه المرآة : أي : قبيح المنظر.

يحشها : حش النار يحشها : إذا أوقدها.

معتمة : أي : طويلة النبات.

نور الربيع : زهر الربيع.

بين ظهري : أي : بينهم.

دوحة عظيمة : الشجر العظام.

المحض في البياض : الخالص منه.

جنة عدن : جنة إقامة

سما صعدا : ارتفع بصره إلى فوق.

الربابة : السحابة البيضاء.

الحديث في صحيح البخاري في باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح

وصحيح مسلم في باب رؤيا النبي صلى الله عليه و سلم

حقيقة العلم وحقيقة الإيمان

حقيقة العلم وحقيقة الإيمان

للإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله

فائدة عظيمة:

أفضل ما اكتسبته النفوس وحصلته القلوب ونال به العبد الرفعة في الدنيا والآخرة: هو العلمُ والإيمان.

ولهذا قرَن بينهما سبحانه في قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ [الروم:56]، وقوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة:11].

وهؤلاء هم خلاصة الوجود ولُبّهُ والمؤهلون للمراتب العالية.

ولكن أكثر الناس غالطون في حقيقة مسمَّى العلم والإيمان اللذين بهما السعادة والرفعةُ، وفى حقيقتهما! حتى إن كل طائفة تظن أن ما معها من العلم والإيمان هو هذا الذي به تُنالُ السعادة! وليس كذلك، بل أكثرهم ليس معهم إيمانٌ يُنجى، ولا علمٌ يرفع، بل قد سدّوا على نفوسهم طرق العلم والإيمان اللذين جاء بهما الرسول صلى الله عليه وسلم، ودعا إليهما الأمة، وكان عليهما هو وأصحابُهُ من بعده، وتابعوهم على منهاجِهم وآثارهم.

فكل طائفة اعتقدت أن العلم ما معها وفرحت به؛ ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [المؤمنون:53]، وأكثر ما عندهم كلامٌ وآراءٌ وخَرْصٌ! والعلمُ وراء الكلام؛ كما قال حماد بن زيد: قلت لأيوب: العلم اليوم أكثر أو فيما تقدم؟

فقال: الكلام اليوم أكثر، والعلم فيما تقدم أكثر!

ففرق هذا الراسخُ بين العلم والكلام، فالكتب كثيرةٌ جداً، والكلام والجدال والمقدَّراتُ الذهنية كثيرة، والعلم بمعزلٍ عن أكثرها؛ وهو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله سبحانه ؛ قال تعالى: ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ [آل عمران:61] وقال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ [البقرة:120]، وقال في القرآن : ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النساء:166] أي: وفيه علمه.

ولما بَعُدَ العهد بهذا العلم؛ آل الأمر بكثير من الناس إلى أن اتخذوا هواجس الأفكار وسوانح الخواطر والآراء علما، ووضعوا فيها الكتب، وأنفقوا فيها الأنفاس، فضيعوا فيها الزمان، وملأوا بها الصحف مدادا، والقلوب سواداً، حتى صرَّح كثير منهم انه ليس في القرآن والسنة علمٌ! وان أدلتها لفظيةٌ لا تفيد يقيناً ولا علماً! وصرخ الشيطان بهذه الكلمة فيهم، وأذَّنَ بها بين أظهرهم حتى أسمعها دانيهم لقاصيهم، فانسلخت بها القلوب من العلم والإيمان كانسلاخ الحيَّةِ من قِشرها، والثوب عن لابسه...

وقد كان علم الصحابة الذي يتذاكرون فيه غير علوم هؤلاء المختلفين الخراصين - كما حكى الحاكم - في ترجمة أبى عبد الله البخاري، قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا إنما يتذاكرون كتاب ربهم وسنة نبيهم، ليس بينهم رأى ولا قياس.

ولقد أحسن القائل:

العـلـمُ قال الله قال رسـولُهُ ... قال الصحـابة ليس بالتَّمويهِ

ما العلم نَصبَكَ للخلافِ سفاهةً ... بين الرسـول وبين رأى فقيهِ

كلا ولا جَحدَ الصفاتِ ونَفيَهـا ... حذراً من التمثيل والتشبيـه

وأما الإيمان؛

فأكثر الناس أو كلُّهم يدعونه: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103]

وأكثر المؤمنين إنما عندهم إيمان مجمل، وأما الإيمان المفصل بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم معرفة وعلما وإقرارا ومحبة ومعرفة بضده وكراهيته، وبغضه فهذا إيمان خواص الأمة وخاصة الرسول، وهو إيمان الصديق وحزبه.

وكثير من الناس حظهم من الإيمان الإقرار بوجود الصانع، وأنه وحده الذي خلق السموات والأرض وما بينهما!! وهذا لم يكن ينكره عبُّاد الأصنام من قريش ونحوهم.

وآخرون؛ الإيمان عندهم هو التكلم بالشهادتين! سواء كان معه عمل أو لم يكن، وسواءٌ وافق تصديق القلب أو خالفه.

وآخرون عندهم الإيمان مجرد تصديق القلب بأن الله سبحانه خالق السموات والأرض، وأن محمدا عبده ورسوله، وان لم يقر بلسانه ولم يعمل شيئا، بل ولو سب الله ورسوله وأتى بكل عظيمة، وهو يعتقد وحدانية الله ونبوة رسوله فهو مؤمن!!

وآخرون عندهم الإيمان: عبادة الله بحكم أذواقهم ومواجيدهم وما تهواه نفوسهم، من غير تقييد بما جاء به الرسول.

وآخرون؛ الإيمان عندهم: ما وجدوا عليه آباءهم وأسلافهم بحكم الاتفاق كائنا ما كان، بل إيمانهم مبنى علي مقدمتين:

إحداهما: أن هذا قول أسلافنا وآبائنا.

والثانية: أن ما قالوه فهو الحق.

وآخرون عندهم الإيمان: مكارم الأخلاق وحسن المعاملة وطلاقة الوجه وإحسان الظن بكل أحد، وتخليه الناس وغفلاتهم.

وآخرون عندهم الإيمان: التجرد من الدنيا وعلائقها، وتفريغ القلب منها والزهد فيها، فإذا رأوا رجلا هكذا جعلوه من سادات أهل الإيمان، وان كان منسلخا من الإيمان علماً وعملاً.

وأعلى من هؤلاء من جعل الإيمان هو مجرد العلم وان لم يقارنه عمل!!

وكل هؤلاء لم يعرفوا حقيقة الإيمان ولا قاموا به ولا قام بهم، وهم أنواع:

منهم من جعل الإيمان ما يضاد الإيمان.

ومنهم من جعل الإيمان ما لا يعتبر في الإيمان.

ومنهم من جعله ما هو شرط فيه ولا يكفى في حصوله.

ومنهم من اشترط في ثبوته ما يناقضه ويضاده.

ومنهم من اشترط فيه ما ليس منه بوجه الإيمان.

والإيمان وراء ذلك كله؛

وهو حقيقة مركبة من معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم علماً، والتصديق به عقداً، والإقرار به نطقا، والانقياد له محبة وخضوعا، والعمل به باطنا وظاهرا، وتنفيذه والدعوة إليه بحسب الإمكان.

وكماله في الحب في الله، والبغض في الله، والعطاء لله والمنع لله، وأن يكون الله وحده إلهه ومعبوده.

والطريق إليه تجريد متابعة رسوله ظاهراً وباطناً، وتغميض عين القلب عن الالتفات إلي سوى الله ورسوله.

وبالله التوفيق.

من كتاب الفوائد لابن القيم ص 151

مراتب الجهاد

مراتب الجهاد

للإمام ابن قيّم الجوزية رحمه الله

الجهادُ أربع مراتب:

جهادُ النفس،

وجهادُ الشيطان،

وجهادُ الكفار،

وجهادُ المنافقين.

فجهاد النفس أربعُ مراتب أيضاً:

إحداها: أَنْ يُجاهِدَها على تعلُّم الهُدى، ودين الحق الذي لا فلاح لها، ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به، ومتى فاتها عِلمُه، شقيت في الدَّارين.

الثانية : أن يُجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرَّدُ العلم بلا عمل إن لم يَضُرَّها لم ينفعْها.

الثالثة : أن يُجاهدها على الدعوة إليه، وتعليمِهِ مَنْ لا يعلمهُ، وإلا كان مِن الذين يكتُمون ما أنزل الله مِن الهُدى والبينات، ولا ينفعُهُ علمُهُ، ولا يُنجِيه مِن عذاب الله.

الرابعة : أن يُجاهِدَها على الصبر على مشاقِّ الدعوة إلى الله، وأذى الخلق، ويتحمَّل ذلك كله لله. فإذا استكمل هذه المراتب الأربع، صار من الربَّانِيينَ، فإن السلفَ مُجمِعُونَ على أن العَالِمَ لا يَستحِقُّ أن يُسمى ربَّانياً حتى يعرِفَ الحقَّ، ويعملَ به، ويُعَلِّمَه، فمَن علِمَ وَعَمِلَ وعَلَّمَ فذاكَ يُدعى عظيماً في ملكوتِ السموات.

وأما جهادُ الشيطان، فمرتبتان:

إحداهما: جهادُه على دفع ما يُلقى إلى العبد مِن الشبهات والشُّكوكِ القادحة في الإيمان.

الثانية: جهادهُ على دفع ما يُلقى إليه من الإرادات الفاسدة والشهواتِ.

فالجهادُ الأول يكون بعده اليقين، والثاني يكون بعدَه الصبر. قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ، وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24]، فأخبر أن إمامة الدين، إنما تُنال بالصبر واليقين، فالصبر يدفع الشهواتِ والإرادات الفاسدة، واليقينُ يدفع الشكوك والشبهات.

وأما جهادُ الكفار والمنافقين، فأربع مراتب:

بالقلب، واللِّسان، والمالِ، والنفسِ،

وجهادُ الكفار أخصُّ باليد(1)، وجهادُ المنافقين أخصُّ باللسان.

"وجهادُ المنافقين أصعبُ مِن جهاد الكفار، وهو جهادُ خواصِّ الأمة، وورثةِ الرُّسل، والقائمون به أفرادٌ في العالَم، والمشارِكُون فيه، والمعاونون عليه، وإن كانوا هُم الأقلين عدداً، فهم الأعظمون عند الله قدراً".

وأما جهادُ أرباب الظلم، والبِدعِ، والمنكرات، فثلاث مراتبَ:

الأولى: باليدِ إذا قَدَرَ،

فإن عَجَزَ، انتقل إلى اللِّسان،

فإن عَجَزَ، جاهد بقلبه،

فهذِهِ ثلاثةَ عشرَ مرتبةً من الجهاد، و"مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالغَزْوِ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النَّفَاقِ" رواه مسلم.

____________

(1) قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين : لابد فيه من شرط وهو أن يكون عند المسلمين قدرة وقوة يستطيعون بها القتال، فإن لم يكن لديهم قدرة فإن إقحام أنفسهم في القتال إلقاء بأنفسهم إلى التهلكة، ولهذا لم يوجب الله سبحانه وتعالى على المسلمين القتال وهم في مكة، لأنهم عاجزون ضعفاء فلما هاجروا إلى المدينة وكونوا الدولة الإسلامية وصار لهم شوكة أُمروا بالقتال، وعلى هذا فلابد من هذا الشرط، وإلا سقط عنهم كسائر الواجبات لأن جميع الواجبات يشترط فيها القدرة لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وقوله: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا} ا.هـ [الشرح الممتع (8/9)]

من كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد ( 3 / 9 )