أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يتولاك في الدنيا والآخرة ، وأن يجعلك مباركاً أينما كنت ، وأن يجعلك ممن إذا أُعطي شكر ، وإذا ابتُلي صبر ، وإذا أذنب استغفر ، فإن هؤلاء الثلاث عنوان السعادة.

حقيقة العلم وحقيقة الإيمان

حقيقة العلم وحقيقة الإيمان

للإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله

فائدة عظيمة:

أفضل ما اكتسبته النفوس وحصلته القلوب ونال به العبد الرفعة في الدنيا والآخرة: هو العلمُ والإيمان.

ولهذا قرَن بينهما سبحانه في قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ [الروم:56]، وقوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة:11].

وهؤلاء هم خلاصة الوجود ولُبّهُ والمؤهلون للمراتب العالية.

ولكن أكثر الناس غالطون في حقيقة مسمَّى العلم والإيمان اللذين بهما السعادة والرفعةُ، وفى حقيقتهما! حتى إن كل طائفة تظن أن ما معها من العلم والإيمان هو هذا الذي به تُنالُ السعادة! وليس كذلك، بل أكثرهم ليس معهم إيمانٌ يُنجى، ولا علمٌ يرفع، بل قد سدّوا على نفوسهم طرق العلم والإيمان اللذين جاء بهما الرسول صلى الله عليه وسلم، ودعا إليهما الأمة، وكان عليهما هو وأصحابُهُ من بعده، وتابعوهم على منهاجِهم وآثارهم.

فكل طائفة اعتقدت أن العلم ما معها وفرحت به؛ ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [المؤمنون:53]، وأكثر ما عندهم كلامٌ وآراءٌ وخَرْصٌ! والعلمُ وراء الكلام؛ كما قال حماد بن زيد: قلت لأيوب: العلم اليوم أكثر أو فيما تقدم؟

فقال: الكلام اليوم أكثر، والعلم فيما تقدم أكثر!

ففرق هذا الراسخُ بين العلم والكلام، فالكتب كثيرةٌ جداً، والكلام والجدال والمقدَّراتُ الذهنية كثيرة، والعلم بمعزلٍ عن أكثرها؛ وهو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله سبحانه ؛ قال تعالى: ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ [آل عمران:61] وقال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ [البقرة:120]، وقال في القرآن : ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النساء:166] أي: وفيه علمه.

ولما بَعُدَ العهد بهذا العلم؛ آل الأمر بكثير من الناس إلى أن اتخذوا هواجس الأفكار وسوانح الخواطر والآراء علما، ووضعوا فيها الكتب، وأنفقوا فيها الأنفاس، فضيعوا فيها الزمان، وملأوا بها الصحف مدادا، والقلوب سواداً، حتى صرَّح كثير منهم انه ليس في القرآن والسنة علمٌ! وان أدلتها لفظيةٌ لا تفيد يقيناً ولا علماً! وصرخ الشيطان بهذه الكلمة فيهم، وأذَّنَ بها بين أظهرهم حتى أسمعها دانيهم لقاصيهم، فانسلخت بها القلوب من العلم والإيمان كانسلاخ الحيَّةِ من قِشرها، والثوب عن لابسه...

وقد كان علم الصحابة الذي يتذاكرون فيه غير علوم هؤلاء المختلفين الخراصين - كما حكى الحاكم - في ترجمة أبى عبد الله البخاري، قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا إنما يتذاكرون كتاب ربهم وسنة نبيهم، ليس بينهم رأى ولا قياس.

ولقد أحسن القائل:

العـلـمُ قال الله قال رسـولُهُ ... قال الصحـابة ليس بالتَّمويهِ

ما العلم نَصبَكَ للخلافِ سفاهةً ... بين الرسـول وبين رأى فقيهِ

كلا ولا جَحدَ الصفاتِ ونَفيَهـا ... حذراً من التمثيل والتشبيـه

وأما الإيمان؛

فأكثر الناس أو كلُّهم يدعونه: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103]

وأكثر المؤمنين إنما عندهم إيمان مجمل، وأما الإيمان المفصل بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم معرفة وعلما وإقرارا ومحبة ومعرفة بضده وكراهيته، وبغضه فهذا إيمان خواص الأمة وخاصة الرسول، وهو إيمان الصديق وحزبه.

وكثير من الناس حظهم من الإيمان الإقرار بوجود الصانع، وأنه وحده الذي خلق السموات والأرض وما بينهما!! وهذا لم يكن ينكره عبُّاد الأصنام من قريش ونحوهم.

وآخرون؛ الإيمان عندهم هو التكلم بالشهادتين! سواء كان معه عمل أو لم يكن، وسواءٌ وافق تصديق القلب أو خالفه.

وآخرون عندهم الإيمان مجرد تصديق القلب بأن الله سبحانه خالق السموات والأرض، وأن محمدا عبده ورسوله، وان لم يقر بلسانه ولم يعمل شيئا، بل ولو سب الله ورسوله وأتى بكل عظيمة، وهو يعتقد وحدانية الله ونبوة رسوله فهو مؤمن!!

وآخرون عندهم الإيمان: عبادة الله بحكم أذواقهم ومواجيدهم وما تهواه نفوسهم، من غير تقييد بما جاء به الرسول.

وآخرون؛ الإيمان عندهم: ما وجدوا عليه آباءهم وأسلافهم بحكم الاتفاق كائنا ما كان، بل إيمانهم مبنى علي مقدمتين:

إحداهما: أن هذا قول أسلافنا وآبائنا.

والثانية: أن ما قالوه فهو الحق.

وآخرون عندهم الإيمان: مكارم الأخلاق وحسن المعاملة وطلاقة الوجه وإحسان الظن بكل أحد، وتخليه الناس وغفلاتهم.

وآخرون عندهم الإيمان: التجرد من الدنيا وعلائقها، وتفريغ القلب منها والزهد فيها، فإذا رأوا رجلا هكذا جعلوه من سادات أهل الإيمان، وان كان منسلخا من الإيمان علماً وعملاً.

وأعلى من هؤلاء من جعل الإيمان هو مجرد العلم وان لم يقارنه عمل!!

وكل هؤلاء لم يعرفوا حقيقة الإيمان ولا قاموا به ولا قام بهم، وهم أنواع:

منهم من جعل الإيمان ما يضاد الإيمان.

ومنهم من جعل الإيمان ما لا يعتبر في الإيمان.

ومنهم من جعله ما هو شرط فيه ولا يكفى في حصوله.

ومنهم من اشترط في ثبوته ما يناقضه ويضاده.

ومنهم من اشترط فيه ما ليس منه بوجه الإيمان.

والإيمان وراء ذلك كله؛

وهو حقيقة مركبة من معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم علماً، والتصديق به عقداً، والإقرار به نطقا، والانقياد له محبة وخضوعا، والعمل به باطنا وظاهرا، وتنفيذه والدعوة إليه بحسب الإمكان.

وكماله في الحب في الله، والبغض في الله، والعطاء لله والمنع لله، وأن يكون الله وحده إلهه ومعبوده.

والطريق إليه تجريد متابعة رسوله ظاهراً وباطناً، وتغميض عين القلب عن الالتفات إلي سوى الله ورسوله.

وبالله التوفيق.

من كتاب الفوائد لابن القيم ص 151

مراتب الجهاد

مراتب الجهاد

للإمام ابن قيّم الجوزية رحمه الله

الجهادُ أربع مراتب:

جهادُ النفس،

وجهادُ الشيطان،

وجهادُ الكفار،

وجهادُ المنافقين.

فجهاد النفس أربعُ مراتب أيضاً:

إحداها: أَنْ يُجاهِدَها على تعلُّم الهُدى، ودين الحق الذي لا فلاح لها، ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به، ومتى فاتها عِلمُه، شقيت في الدَّارين.

الثانية : أن يُجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرَّدُ العلم بلا عمل إن لم يَضُرَّها لم ينفعْها.

الثالثة : أن يُجاهدها على الدعوة إليه، وتعليمِهِ مَنْ لا يعلمهُ، وإلا كان مِن الذين يكتُمون ما أنزل الله مِن الهُدى والبينات، ولا ينفعُهُ علمُهُ، ولا يُنجِيه مِن عذاب الله.

الرابعة : أن يُجاهِدَها على الصبر على مشاقِّ الدعوة إلى الله، وأذى الخلق، ويتحمَّل ذلك كله لله. فإذا استكمل هذه المراتب الأربع، صار من الربَّانِيينَ، فإن السلفَ مُجمِعُونَ على أن العَالِمَ لا يَستحِقُّ أن يُسمى ربَّانياً حتى يعرِفَ الحقَّ، ويعملَ به، ويُعَلِّمَه، فمَن علِمَ وَعَمِلَ وعَلَّمَ فذاكَ يُدعى عظيماً في ملكوتِ السموات.

وأما جهادُ الشيطان، فمرتبتان:

إحداهما: جهادُه على دفع ما يُلقى إلى العبد مِن الشبهات والشُّكوكِ القادحة في الإيمان.

الثانية: جهادهُ على دفع ما يُلقى إليه من الإرادات الفاسدة والشهواتِ.

فالجهادُ الأول يكون بعده اليقين، والثاني يكون بعدَه الصبر. قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ، وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24]، فأخبر أن إمامة الدين، إنما تُنال بالصبر واليقين، فالصبر يدفع الشهواتِ والإرادات الفاسدة، واليقينُ يدفع الشكوك والشبهات.

وأما جهادُ الكفار والمنافقين، فأربع مراتب:

بالقلب، واللِّسان، والمالِ، والنفسِ،

وجهادُ الكفار أخصُّ باليد(1)، وجهادُ المنافقين أخصُّ باللسان.

"وجهادُ المنافقين أصعبُ مِن جهاد الكفار، وهو جهادُ خواصِّ الأمة، وورثةِ الرُّسل، والقائمون به أفرادٌ في العالَم، والمشارِكُون فيه، والمعاونون عليه، وإن كانوا هُم الأقلين عدداً، فهم الأعظمون عند الله قدراً".

وأما جهادُ أرباب الظلم، والبِدعِ، والمنكرات، فثلاث مراتبَ:

الأولى: باليدِ إذا قَدَرَ،

فإن عَجَزَ، انتقل إلى اللِّسان،

فإن عَجَزَ، جاهد بقلبه،

فهذِهِ ثلاثةَ عشرَ مرتبةً من الجهاد، و"مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالغَزْوِ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النَّفَاقِ" رواه مسلم.

____________

(1) قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين : لابد فيه من شرط وهو أن يكون عند المسلمين قدرة وقوة يستطيعون بها القتال، فإن لم يكن لديهم قدرة فإن إقحام أنفسهم في القتال إلقاء بأنفسهم إلى التهلكة، ولهذا لم يوجب الله سبحانه وتعالى على المسلمين القتال وهم في مكة، لأنهم عاجزون ضعفاء فلما هاجروا إلى المدينة وكونوا الدولة الإسلامية وصار لهم شوكة أُمروا بالقتال، وعلى هذا فلابد من هذا الشرط، وإلا سقط عنهم كسائر الواجبات لأن جميع الواجبات يشترط فيها القدرة لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وقوله: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا} ا.هـ [الشرح الممتع (8/9)]

من كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد ( 3 / 9 )

حرمة التشبه بالكفار

حرمة التشبه بالكفار

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

من مقاصد الشريعة الإسلامية المطهرة : أن يكون المسلم متميزا عن جميع الكفرة والفجار في عقيدته وأخلاقه وسلوكه وتفكيره، بل وفي مظهره ولغته أيضاً، وقطع جميع علائق المحبة والولاء والنصرة لكل كافر بالله ورسوله، وقد تكاثرت الدلائل الشرعية نصية واستنباطية مؤكدة هذا الأصل الإسلامي، محذرة من نقضه أو التساهل به، عن طريق المحاكاة والتشبه بالذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ، فقال الله - عز وجل: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ وقال سبحانه: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ وقال جل وعلا: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ وقال جل وتقدس: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ والآيات في هذا المعنى كثيرة معلومة . وقال عليه الصلاة والسلام لما رأى على عبد الله بن عمرو بن العاص ثوبين معصفرين : «إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها » خرجه مسلم في (صحيحه)، وثبت في (الصحيحين) « أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خالف أهل الكتاب في سدل الشعر » . وقال عليه الصلاة والسلام : « خالفوا المشركين وفروا اللحى وأحفوا الشوارب » أخرجاه في (الصحيحين).

والأحاديث والآثار عن السلف الصالح في هذا الأمر كثيرة مشهورة.

ومما تقدم يعلم أن المرء لا يكون عاملا بحقيقة الإسلام حتى يكون ظاهره وباطنه موافقا لأمر الله ورسوله ، فيكون ولاؤه لله ولرسوله ولإخوانه المؤمنين ، كما قال الله سبحانه : ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ويجب على المؤمن البراءة من الكفر وأهله، سواء كانوا من النصارى أو اليهود أو المجوس أو الملحدين أو غيرهم من سائر الملل والنحل المخالفة للإسلام.

ومن أجل المحافظة على الأصل المتقدم لدى المسلم وصيانة لإسلامه من الزيغ والانحراف، جاءت النصوص الشرعية بتحريم التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم في الأقوال والأفعال والألبسة والهيئة العامة؛ لما في ذلك من الخطر على عقيدة المسلم، وخشية أن يجره ذلك إلى استحسان ما هم عليه من الكفر والضلال، فقال عليه الصلاة والسلام: « بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له ، وجعل رزقي تحت ظل رمحي ، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ، ومن تشبه بقوم فهو منهم » رواه الإمام أحمد وغيره بسند جيد، وقال عليه الصلاة والسلام: « ليس منا من تشبه بغيرنا ، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى » حديث حسن ، رواه الترمذي وغيره.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - مبينا حكمة الشريعة في تحريم التشبه بالكفار، ووجوب مخالفتهم في الأمور الظاهرة؛ كالألبسة ونحوها:

(وقد بعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالحكمة التي هي سنته، وهي الشرعة والمنهاج الذي شرعه له، فكان من هذه الحكمة: أن شرع له من الأعمال والأقوال ما يباين سبيل المغضوب عليهم والضالين، فأمر بمخالفتهم في الهدي الظاهر -وإن لم يظهر لكثير من الخلق في ذلك مفسدة- لأمور:

منها : أن المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسبا وتشاكلا بين المتشابهين، يقود إلى موافقة ما في الأخلاق والأعمال، وهذا أمر محسوس، فإن اللابس لثياب الجند المقاتلة مثلا يجد من نفسه نوع تخلق بأخلاقهم، ويصير طبعه متقاضيا لذلك، إلا أن يمنعه مانع.

ومنها : أن المخالفة في الهدي الظاهر توجب مباينة ومفارقة، توجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضلال، والانعطاف على أهل الهدى والرضوان، وتحقق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين.

وكلما كان القلب أتم حياة وأعرف بالإسلام الذي هو الإسلام - لست أعني مجرد التوسم به ظاهرا أو باطنا بمجرد الاعتقادات، من حيث الجملة - كان إحساسه بمفارقة اليهود والنصارى باطنا وظاهرا أتم، وبعده عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين أشد.

ومنها : أن مشاركتهم في الهدي الظاهر توجب الاختلاط الظاهر، حتى يرتفع التميز ظاهرا بين المهديين المرضين، ومن المغضوب عليهم والضالين، إلى غير ذلك من الأسباب الحكمية.

هذا إذا لم يكن ذلك الهدي الظاهر إلا مباحا محضا، لو تجرد عن مشابهتهم، فأما إن كان من موجبات كفرهم كان شعبة من شعب الكفر، فموافقتهم فيه موافقة في نوع من أنواع معاصيهم ، فهذا أصل ينبغي أن يتفطن له) اهـ.

وبناء على ما تقدم فمما لا شك فيه أن من مظاهر الولاء للكفار: التشبه بهم، وارتداء ملابس تحمل شعاراتهم؛ كالصليب ونحوه، والعناية بصورهم، وتشجيع أنديتهم الرياضية، وتعليق أعلامهم على السيارات والبيوتات والمحال التجارية، والتسمي بأسمائهم الخاصة بهم، والدعوة إلى محبتهم وصداقتهم، والافتخار بالانتساب إليهم، وإلى رؤسائهم وأعيانهم، والانبهار بأهوائهم وأفكارهم المخالفة للإسلام . . إلى آخر تلك المحن والبلايا التي وقع فيها كثير من المنتسبين للإسلام، وما دروا أنهم بصنيعهم هذا يهدمون أصلا من أصول الإسلام في أنفسهم وفي نفوس المسلمين، ويزيدون الأمة وهنا على وهن، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

والواجب على جميع المسلمين التمسك بهدي الإسلام المستقيم، والحذر من الانحراف عنه إلى طريق المغضوب عليهم والضالين، من اليهود والنصارى وسائر المشركين، والتواصي بالبر والتقوى، وكل ما فيه خير وعز للإسلام والمسلمين، وترك كل ما فيه ضرر على المسلمين والإعانة عليه، وترويجه ونشره.

وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

عضو ... عضو ... عضو ... نائب الرئيس

بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبد الله بن غديان ... عبد العزيز آل الشيخ

الرئيس

عبد العزيز بن عبد الله بن باز

من فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ( 26 / 303 )

الفتوى رقم ( 19857 )