مختارات من أحسن ما قيل في مهمات الدين من كتب السلف
أسأل اللهالكريم رب العرش العظيم أن يتولاك في الدنيا والآخرة ، وأن يجعلك مباركاًأينما كنت ، وأن يجعلك ممن إذا أُعطي شكر ، وإذا ابتُلي صبر ، وإذا أذنباستغفر ، فإن هؤلاء الثلاث عنوان السعادة.
لماذا نقرأ سورتي الإخلاص في سنة الفجر والمغرب والوتر؟
للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله
ملاك السعادة والنجاة والفوز بتحقيق التوحيدين اللذين عليهما مدار كتاب الله تعالى، وبتحقيقهما بعث الله سبحانه وتعالى رسوله، وإليهما دعت الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- من أولهم إلى آخرهم:
أحدهما : التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي المتضمن إثبات صفات الكمال لله تعالى، وتنزيهه فيها عن التشبيه والتمثيل، وتنزيهه عن صفات النقص.
والتوحيد الثاني : عبادته وحده لا شريك له، وتجريد محبته، والإخلاص له، وخوفه، ورجاؤه، والتوكل عليه، والرضى به رباً وإلاهاً وولياً، وأن لا يجعل له عدلاً في شيء من الأشياء.
وقد جمع سبحانه وتعالى هذين النوعين من التوحيد في سورتي الإخلاص وهما:
فسورة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فيها بيان ما يجب لله تعالى من صفات الكمال، وبيان ما يجب تنزيهه من النقائص والأمثال.
وسورة {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} فيها إيجاب عبادته وحده لا شريك له، والتبريء من عبادة كل ما سواه.
ولا يتم أحد التوحيدين إلا بالآخر ولهذا كان النبي يقرأ بهاتين السورتين في سنة الفجر والمغرب والوتر اللتين هما فاتحة العمل وخاتمته ليكون مبدأ النهار توحيدا، وخاتمته توحيدا.
من كتاب اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية ص 93
وهو القلب الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله به، كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ . إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾[ الشعراء : 88 ].
وقد اختلفت عبارات الناس في معنى القلب السليم والأمر الجامع لذلك: أنه الذي قد سَلِمَ من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خبره، فسلم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير رسوله، فسلم في محبة الله - مع تحكيمه لرسوله - في خوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه والذل له وإيثار مرضاته في كل حال، والتباعد من سخطه بكل طريق، وهذا هو حقيقة العبودية التي لا تصلح إلا لله وحده
فالقلب السليم: هو الذي سَلِمَ من أن يكون لغير الله فيه شرك بوجه ما، بل قد خلصت عبوديته لله تعالى: إرادة ومحبة وتوكلا وإنابة وإخباتا وخشية ورجاء، وخلص عمله لله؛ فإن أحبَّ أحبَّ في الله، وإن أبغض أبغض في الله، وإن أعطى أعطى لله، وإن منع منع لله، ولا يكفيه هذا حتى يسلم من الانقياد والتحكيم لكل من عدا رسوله -صلى الله عليه وسلم- فيعقد قلبه معه عقداً محكماً على الائتمام والاقتداء به وحده دون كل أحد في الأقوال والأعمال؛ من أقوال القلب وهي العقائد، وأقوال اللسان وهي الخبر عما في القلب، وأعمال القلب وهي الإرادة والمحبة والكراهة وتوابعها، وأعمال الجوارح، فيكون الحاكم عليه في ذلك كله دِقَّه وجِلَّه هو ما جاء به الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فلا يتقدم بين يديه بعقيدةولا قولولا عمل، كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾[الحجرات:1] أي: لا تقولوا حتى يقول، ولا تفعلوا حتى يأمر.
قال بعض السلف : ما من فعلة وإن صغرت إلا ينشر لها ديوانان: لِمَ؟، وكيف؟. أي: لِمَ فعلت؟، وكيف فعلت؟.
فالأول: سؤال عن علة الفعل وباعثه وداعيه: هل هو حظ عاجل من حظوظ العامل وغرض من أغراض الدنيا في محبة المدح من الناس أو خوف ذمهم أو استجلاب محبوب عاجل أو دفع مكروه عاجل، أم الباعث على الفعل القيام بحق العبودية وطلب التودد والتقرب إلى الرب سبحانه وتعالى وابتغاء الوسيلة إليه.
ومحل هذا السؤال: أنه هل كان عليك أن تفعل هذا الفعل لمولاك أم فعلته لحظك وهواك.
والثاني : سؤال عن متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك التعبد. أي هل كان ذلك العمل مما شرعته لك على لسان رسولي أم كان عملا لم أشرعه ولم أرضه؟.
فالأول: سؤال عن الإخلاص، والثاني: عن المتابعة، فإن الله سبحانه لا يقبل عملا إلا بهما.
فطريق التخلص من السؤال الأول: بتجريد الإخلاص.
وطريق التخلص من السؤال الثاني: بتحقيق المتابعة.
وسلامة القلب: من إرادةٍ تُعارض الإخلاص، وهوى يُعارض الاتباع، فهذا حقيقة سلامة القلب الذي ضمنت له النجاة والسعادة.
وقال - أيضاً- في الداء والدواء:
ولا يتم له سلامته مطلقا حتى يسلم من خمسة أشياء :
1- من شرك يناقض التوحيد
2- وبدعة تخالف السنة
3- وشهوة تخالف الأمر
4- وغفلة تناقض الذكر
5- وهوى يناقض التجريد والإخلاص.
وهذه الخمسة حُجبٌ عن الله، وتحت كل واحد منها أنواع كثيرة وتتضمن أفراداً لا تنحصر.
من كتاب إغاثة اللهفان وكتاب الداء والدواء للإمام ابن القيم
ولا بد من التنبيه على قاعدة تحرك القلوب إلى الله عز وجل، فتعتصم به، فتقل آفاتها، أو تذهب عنها بالكلية، بحول الله وقوته.
فنقول: اعلم أن محركات القلوب إلى الله عز وجل ثلاثة: المحبة، والخوف، والرجاء. وأقواها المحبة، وهي مقصودة تراد لذاتها؛ لأنها تراد في الدنيا والآخرة بخلاف الخوف فإنه يزول في الآخرة، قال الله تعالى: {أَلا إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} والخوف المقصود منه: الزجر والمنع من الخروج عن الطريق.
فالمحبة: تلقى العبد في السير إلى محبوبه وعلى قدر ضعفها وقوتها يكون سيره إليه
والخوف: يمنعه أن يخرج عن طريق المحبوب
والرجاء: يقوده
فهذا أصل عظيم يجب على كل عبد أن يتنبه له فإنه لا تحصل له العبودية بدونه، وكل أحد يجب أن يكون عبدا لله لا لغيره.
فإن قيل فالعبد في بعض الأحيان قد لا يكون عنده محبة تبعثه على طلب محبوبه فأي شيء يحرك القلوب ؟
قلنا: يحركها شيئان:
أحدهما: كثرة الذكر للمحبوب لأن كثرة ذكره تعلق القلوب به ولهذا أمر الله عز وجل بالذكر الكثير فقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا} الآية .
والثاني: مطالعة آلائه ونعمائه قال الله تعالى: {فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وقال تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} . وقال تعالى: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} وقال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} فإذا ذكر العبد ما أنعم الله به عليه من تسخير السماء والأرض، وما فيها من الأشجار والحيوان، وما أسبغ عليه من النعم الباطنة من الإيمان وغيره فلا بد أن يثير ذلك عنده باعثاً.
وكذلك الخوف تحركه مطالعة آيات الوعيد والزجر والعرض والحساب ونحوه.
وكذلك الرجاء يحركه مطالعة الكرم والحلم والعفو.
وما ورد في الرجاء والكلام في التوحيد واسع. وإنما الغرض مبلغ التنبيه على تضمنه الاستغناء بأدنى إشارة. والله - سبحانه وتعالى – أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
روى البخاري ومسلم من حديث عِتبان -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- : «إن الله قد حرَّم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله».
قال شيخ الإسلام وغيره : في هذا الحديث ونحوه أنها فيمن قالها ومات عليها، كما جاءت مقيدةً بقوله : خالصاً من قلبه غير شاك فيها بصدق ويقين.
فإن حقيقة التوحيد انجذابُ الروح إلى الله تعالى جملةً، فمن شهد أن لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة؛ لأنَّ الإخلاص هو انجذابُ القلب إلى الله تعالى بأن يتوبَ من الذنوب توبة نصوحا.
فإذا مات على تلك الحال نال ذلك؛ فإنه قد تواترت الأحاديثُ بأنه «يخرجُ من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة ، وما يزن خردلة، وما يزن ذرة».
وتواترت بأنَّ كثيراً ممن يقول: لا إله إلا الله يدخل النار ثم يخرج منها.
وتواترت بأن الله حرَّم على النار أن تأكل أثرَ السجود من ابن آدم؛ فهؤلاء كانوا يُصلون ويسجدون لله.
وتواترت بأنه يُحرِّمُ على النار من قال: لا إله إلا الله، ومن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ولكن جاءت مقيّدةً بالقيود الثِّقال.
وأكثرُ من يقولها لا يعرف الإخلاص!، وأكثر من يقولها إنِّما يقولها تقليداً أو عادةً، ولم تخالط حلاوة الإيمان بشاشة قلبه.
وغالبُ من يُفتنُ عند الموت وفي القبور أمثال هؤلاء؛ كما في الحديث: «سمعت الناس يقولون شيئا فقلته» وغالب أعمال هؤلاء إنما هي تقليد واقتداء بأمثالهم، وهم من أقرب الناس من قوله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف 23] .
وحينئذ فلا منافاة بين الأحاديث، فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين تام لم يكن في هذه الحال مُصرَّاً على ذنب أصلا؛ فإنَّ كمالَ إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء، فلا يبقى في قلبه إرادة لما حرم الله، ولا كراهة لما أمر الله.
وهذا هو الذي يَحرُم على النار وإن كانت له ذنوب قبل ذلك، فإنَّ هذا الإيمان وهذا الإخلاص، وهذه التوبة وهذه المحبة وهذا اليقين، لا تترك له ذنباً إلاّ محي عنه كما يمحو الليل النهار.
فإذا قالها على وجه الكمال المانعِ من الشرك الأكبر والأصغر، فهذا غيرُ مصرٍّ على ذنب أصلا، فيُغفر له ويُحرَّم على النار.
وإن قالها على وجه خلُص به من الشرك الأكبر دون الأصغر، ولم يأت بعدها بما يناقض ذلك، فهذه الحسنةُ لا يقاومها شيءٌ من السيئات فيرجح بها ميزان الحسنات، كما في حديث البطاقة فيحرم على النار، ولكن تنقص درجته في الجنة بقدر ذنوبه.
وهذا بخلاف من رجحت سيئاتُه بحسناته، ومات مُصراً على ذلك، فإنه يستوجب النار وإن قال لا إله إلا الله وخلص بها من الشرك الأكبر لكنه لم يمت على ذلك، بل أتى بعدها بسيئات رجحت على حسنة توحيده، فإنه في حال قولها كان مخلصا لكنه أتى بذنوب أوهنت ذلك التوحيد والإخلاص فأضعفته، وقويت نار الذنوب حتى أحرقت ذلك. بخلاف المخلص المستيقن؛ فإن حسناته لا تكون إلا راجحة على سيئاته ولا يكون مصرّاً على سيئات، فإن مات على ذلك دخل الجنة .
وإنما يُخاف على المخلص أن يأتي بسيئة راجحة فيضعُف إيمانه فلا يقولها بإخلاص ويقين مانعٍ من جميع السيئات، ويُخشى عليه من الشرك الأكبر والأصغر، فإن سَلِم من الأكبر بقي معه من الأصغر، فيُضيف إلى ذلك سيئاتٍ تنضمُّ إلى هذا الشرك فيرجح جانب السيئات، فإن السيئات تُضْعِفُ الإيمان واليقين، فيضعف قول: لا إله إلا الله، فيمتنع الإخلاص بالقلب، فيصير المتكلم بها كالهاذي أو النائم، أو من يُحسِّن صوته بآية من القرآن من غير ذوقِ طعمٍ وحلاوة. فهؤلاء لم يقولوها بكمال الصدق واليقين، بل يأتون بعدها بسيئات تنقُضُ ذلك، بل يقولونها من غير يقين وصدق ويموتون على ذلك، ولهم سيئاتٌ كثيرة تمنعهم من دخول الجنة.
فإذا كثُرت الذنوب ثقُل على اللسان قولهُا، وقسا القلب عن قولها، وكره العمل الصالح، وثقُل عليه سماع القرآن، واستبشر بذكر غير الله، واطمأنَّ إلى الباطل، واستحلى الرَّفث، ومخالطةَ أهل الغفلة، وكره مخالطة أهل الحق، فمثلُ هذا إذا قالها، قال بلسانه ما ليس في قلبه، وبفيه ما لا يصدقه عمله.
قال الحسن: "ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال. فمن قال خيراً وعمل خيراً قُبل منه، ومن قال خيراً وعمل شراً لم يُقبل منه".
وقال بكر بن عبد الله المزني: "ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيامٍ ولا صلاة ولكن بشيء وقر في قلبه".
فمن قال: لا إله إلا الله، ولم يقم بموجبها، بل اكتسب مع ذلك ذنوبا، وكان صادقا في قولها موقنا بها - لكن له ذنوب أضعفت صدقه ويقينه - وانضاف إلى ذلك الشرك الأصغر العملي، فرجحت هذه السيئاتُ على هذه الحسنة، ومات مصرّاً على الذنوب، بخلاف من يقولها بيقين وصدق، فإنه إمّا أن لا يكون مصرّاً على سيئة أصلا، ويكون توحيده المتضمن لصدقه ويقينه رجَّح حسناته.
والذين يدخلون النار ممن يقولها: إمّا أنهم لم يقولوها بالصدق واليقين التامِّين المنافيين للسيئات، أو لرُجحانها، أو قالوها واكتسبوا بعد ذلك سيئاتٍ رجحت على حسناتهم، ثم ضعُف لذلك صدقهم ويقينهم، ثم لم يقولوها بعد ذلك بصدق ويقين تام؛ لأن الذنوب قد أضعفت ذلك الصدق واليقين من قلوبهم، فقولها من مثل هؤلاء لا يقوى على محو السيئات فترجح سيئاتهم على حسناتهم. انتهى ملخصا.
وقد ذكر هذا كثير من العلماء كابن القيم وابن رجب وغيرهم.
قلت [أي: الشيخ عبد الرحمن بن حسن]: وبما قرَّره شيخ الإسلام تجتمع الأحاديث.