أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يتولاك في الدنيا والآخرة ، وأن يجعلك مباركاً أينما كنت ، وأن يجعلك ممن إذا أُعطي شكر ، وإذا ابتُلي صبر ، وإذا أذنب استغفر ، فإن هؤلاء الثلاث عنوان السعادة.

آثار ترك الذنوب في الدنيا والآخرة

آثار ترك الذنوب في الدنيا والآخرة

للإمام ابن قيّم الجوزية رحمه الله

لو لم يكن في ترك الذنوب والمعاصي إلا :

إقامةُ المروءة

وصونُ العِرض

وحفظُ الجاه

وصيانة المال الذي جعله الله قِواماً لمصالح الدنيا والآخرة

ومحبةُ الخلق وجوازُ القول بينهم

وصلاحُ المعاش

وراحةُ البدن

وقوة القلب

وطيب النفس

ونعيم القلب

وانشراح الصدر

والأمن من مخاوف الفساق والفجار

وقلة الهمّ والغمّ والحزن

وعزُّ النفس عن احتمال الذُّلِّ

وصونُ نور القلب إن تُطفئُه ظلمةُ المعصية

وحصول المخرج له مما ضاق على الفساق والفجار

وتيسر الرزق عليه من حيث لا يحتسب

وتيسير ما عَسُرَ على أرباب الفسوق والمعاصي

وتسهيل الطاعات عليه

وتيسير العلم

والثناء الحسن في الناس وكثرة الدعاء له

والحلاوة التي يكتسبها وجهه

المهابةُ التي تُلقي له في قلوب الناس

وانتصارُهم وحميتهم له إذا أُوذي وظُلم

وذبهم عن عرضه إذا اغتابه مغتاب

وسرعة إجابة دعائه

وزوال الوحشة التي بينه وبين الله

وقُربُ الملائكةُ منه

وبعدُ شياطين الإنس والجن منه

وتنافس الناس على خدمته وقضاء حوائجه وخطبتهم لمودته وصحبته

وعدم خوفه من الموت بل يفرح به لقدومه على ربه ولقائه له ومصيره إليه

وصِغَرُ الدنيا في قلبه

وكِبَرُ الآخرة عنده وحرصُهُ على الملك الكبير والفوز العظيم فيها

وذوقُ حلاوة الطاعة

ووجدُ حلاوة الإيمان

ودعاءُ حملة العرش ومن حوله من الملائكة له

وفرحُ الكاتبين به ودعائُهم له كل وقتٍ

والزيادة في عقله وفهمه وإيمانه ومعرفته

وحصول محبة الله له وإقباله عليه وفرحه بتويته

وهكذا يجازيه بفرحٍ وسرورٍ لا نسبة له إلى فرحِه وسروره بالمعصية بوجهٍ من الوجوه

فهذه بعض آثار ترك المعاصي في الدنيا.

فإذا مات:

تلقَّتُه الملائكة بالبشرى من ربه بالجنة

وبأنه لا خوف عليه ولا حُزْن

وينتقل من سجن الدنيا وضيقها إلى روضهٍ من رياض الجنة ينعم فيها إلى يوم القيامة

فإذا كان يوم القيامة:

كان الناسُ في الحرِّ والعرقِ وهو في ظلِّ العرش

فإذا انصرفوا من بين يدي الله أُخذَ به ذات اليمين مع أوليائه المتقين وحزبه المفلحين.

وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو فضل عظيم.

الفوائد ص 222

-۞ أقرأ أيضاً ::

محركات القلوب إلى الله

شيخ الإسلام ابن تيمية

أشعة: لا إله إلا الله

الإمام ابن قيم الجوزية

تفكر في هذه تكفيك

الإمام عبد الله آل الشيخ

احذر مغالطة النفس

الإمام ابن قيم الجوزية

النظرة الخائنة – الداء والدواء

الإمام ابن قيم الجوزية

-

ولتستبين سبيل المجرمين

﴿ وَلتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ

للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله

قال الله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام :55]

وقال تعالى: ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا [النساء:115]

والله تعالى قد بين في كتابه سبيل المؤمنين مفصَّلة، وسبيل المجرمين مفصَّلة، وعاقبة هؤلاء مفصلة، وعاقبة هؤلاء مفصلة، وأعمال هؤلاء وأعمال هؤلاء، وأولياء هؤلاء وأولياء هؤلاء، وخذلانه لهؤلاء وتوفيقه لهؤلاء، والأسباب التي وفَّق بها هؤلاء والأسباب التي خذل بها هؤلاء، وجلّى سبحانه الأمرين في كتابه وكشفهما وأوضحهما وبيَّنهما غاية البيان، حتى شاهدتهما البصائر كمشاهدة الأبصار للضياء والظلام.

فالعالمون بالله وكتابه ودينه عرفوا سبيل المؤمنين معرفة تفصيلية، وسبيل المجرمين معرفة تفصيلية، فاستبانت لهم السبيلان كما يستبين للسالك الطريق الموصل إلى مقصوده والطريق الموصل إلى الهلكة؛ فهؤلاء أعلم الخلق وأنفعهم للناس وأنصحهم لهم وهم الأَدِلاَّءُ الهداةُ.

و بذلك برز الصحابة على جميع مَن أتى بعدهم إلى يوم القيامة؛ فإنهم نشأوا في سبيل الضلال والكفر والشرك، والسُّبل الموصلة إلى الهلاك، وعرفوها مفصلة، ثم جاءهم الرسول فأخرجهم من تلك الظلمات إلى سبيل الهدى وصراط الله المستقيم، فخرجوا من الظلمة الشديدة إلى النور التام، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن الجهل إلى العلم، ومن الغيِّ إلى الرشاد، ومن الظلم إلى العدل، ومن الحيرة والعمى إلى الهدى والبصائر، فعرفوا مقدارَ ما نالوه وظفروا به، ومقدار ما كانوا فيه؛ فإن الضد يُظهر حُسنه الضدُّ، وإنما تتبين الأشياء بأضدادها، فازدادوا رغبة ومحبة فيما انتقلوا إليه، ونفرةً وبغضاً لِما انتقلوا عنه، وكانوا أحَبّ النَّاس في التوحيد والإيمان والإسلام، وأبغض النَّاس في ضدِّه، عالمين بالسبيل على التفصيل.

و أما مَن جاء بعد الصحابة، فمنهم من نشأ في الإسلام غيرَ عالم تفصيل ضده، فالتبس عليه بعض تفاصيل سبيل المؤمنين بسبيل المجرمين، فإنَّ اللبـس إنما يقع إذا ضعف العلم بالسبيلين أو أحدهما، كما قال عمر بن الخطاب : "إنما تُنقَضُ عُرَى الإسلام عروةً عروةً إذا نشأ في الإسلام مَن لا لم يعرف الجاهلية"، وهذا من كمال علم عمر رضي الله عنه، فإنه إذا لم يعرف الجاهلية وحكمها وهو: كلُّ ما خالف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه من الجاهلية، فإنها منسوبة إلى الجهل، و كلُّ ما خالف الرسول فهو من الجهل .

فمَن لم يعرف سبيل المجرمين ولم تستـبن له أوشك أن يظن في بعض سبيلهم أنها من سبيل المؤمنين، كما وقع في هذه الأمة من أمور كثيرة في باب الاعتقاد والعلم والعمل وهي من سبيل المجرمين والكفار وأعداء الرسل، أدخلها من لم يعرف أنها من سبيلهم في سبيل المؤمنين، ودعا إليها، وكفَّر مَن خالفها، واستحلَّ منه ما حرَّمه الله ورسوله؛ كما وقع لأكثر أهل البدع من الجهمية والقدرية والخوارج والروافض وأشباههم ممن ابتدع بدعة ودعا إليها وكفَّر مَن خالفها.

والنَّاس في هذا الموضع أربعُ فرقٍ:

الفـرقـة الأولـى: مَن استبان له سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين على التفصيل علماً وعملاً، وهؤلاء أعلم الخلق .

الفرقـة الثـانيـة: مَن عَمِيَت عنه السبيلانِ من أشباه الأنعام. وهؤلاء بسبيل المجرمين أحضَر ولها أسلَك.

الفرقـة الثـالثـة: مَن صَرَفَ عنايته إلى معرفة سبيل المؤمنين دون ضدِّها، فهو يعرف ضدّها من حيث الجملة ولمخالفة، وأن كل ما خالف سبيل المؤمنين فهو باطل وإن لم يتصوَّره على التفصيل، بل إذا سمع شيئا مما خالف سبيل المؤمنين صرف سمعه عنه ولم يشغل نفسه بفهمه ومعرفة وجه بطلانه، و هو بمنزلة من سلمت نفسه من إرادة الشهوات فلم تخطر بقلبه ولم تَدْعُه إليها نفسه، بخلاف الفرقة الأولى، فإنهم يعرفونها وتميل إليها نفوسهم ويجاهدونها على تركها لله.

وقد كتبوا إلى عمر بن الخطاب يسألونه عن هذه المسألة أيهما أفضل: رجلٌ لم تخْطُر له الشهوات ولم تمر بباله، أو رجلٌ نازعته إليها نفسه فتركها لله؟

فكتب عمر : إن الذي تشتهي نفسه المعاصي ويتركها لله عزَّ و جل من ﴿ الذين امتحن الله قلوبَهُم للتَّقوى لهم مغفرة و أجرٌ عظيمٌ [الحجرات : 3]

وهكذا مَن عرف البدع والشرك والباطل وطرقه فأبغضها لله وحَذِرَها وحذَّر منها ودفعها عن نفسه، ولم يدعها تَخْدِشُ وجه إيمانه ولا تورثه شبهةً ولا شكًا، بل يزداد بمعرفتها بصيرة في الحق ومحبة له، وكراهة لها ونفرة عنها، أفضل ممن لا تخطر بباله ولا تمرُّ بقلبه. فإنه كلما مرَّت بقلبه وتصوَّرت له ازداد محبة للحق ومعرفة بقدره وسروراً به، فيقوى إيمانه به؛ كما أن صاحب خواطر الشهوات والمعاصي كلما مرَّت به فرغب عنها إلى ضدِّها ازداد محبة لضدِّها ورغبة فيه وطلباً له وحرصاً عليه، فما ابتلى الله سبحانه عبده المؤمن بمحبة الشهوات والمعاصي وميل نفسه إليها إلا ليسوقه بها إلى محبة ما هو أفضل منها وخير له وأنفع وأدوم، و ليجاهد نفسه على تركها له سبحانه فتورثه تلك المجاهدة الوصول إلى المحبوب الأعلى. فكلما نازعته نفسه إلى تلك الشهوات واشتدَّت إرادته لها وشوقه إليها؛ صرف ذلك الشوق والإرادة والمحبة إلى النوع العالي الدائم، فكان طلبه له أشد وحرصه عليه أتم، بخلاف النفس الباردة الخالية من ذلك، فإنها وإن كانت طالبة للأعلى لكن بين الطلبين فرق عظيم. ألا ترى أن من مشى إلى محبوبه على الجمر والشوك أعظم ممن مشى إليه راكبا على النجائب! فليس من آثر محبوبه مع منازعة نفسه كمن آثره مع عدم منازعتها إلى غيره، فهو سبحانه يبتلي عبده بالشهوات، إما حجابا له عنه، أو حاجبا له يوصله إلى رضاه وقربه وكرامته.

الفرقـة الـرابـعة: فرقة عرفت سبيل الشر والبدع والكفر مفصلة، وسبيل المؤمنين مجملة، و هذا حال كثير ممن اعتنى بمقالات الأمم ومقالات أهل البدع، فعرفها على التفصيل ولم يعرف ما جاء به الرسول كذلك، بل عرفه معرفة مجملة وإن تفصلت له في بعض الأشياء. ومن تأمل كتبهم رأى ذلك عيانا. وكذلك من كان عارفا بطرق الشر والفساد على التفصيل سالكا لها، إذا تاب ورجع عنها إلى سبيل الأبرار يكون علمه بها مجملا غير عارف بها على التفصيل معرفة من أفنى عمره في تصرُّفها و سلوكها.

والمقصود : أن الله سبحانه يحبُّ أن تُعرف سبيل أعدائه لتُجتنب وتُبغض، كما يحب أن تُعرف سبيل أوليائه لتُحب وتسلك. وفي هذه المعرفة من الفوائد والأسرار ما لا يعلمه إلا الله؛ من معرفة عموم ربوبيته سبحانه وحكمته، وكمال أسمائه وصفاته، وتعلُّقها بمتعلقاتها، واقتفائها لآثارها وموجباتها. وذلك من أعظم الدلالة على ربوبيته وملكه وإلهيته وحُبِّه وبغضه وثوابه وعقابه.

والله أعلم.

من كتاب الفوائد لابن قيم الجوزية ص 157

-۞ أقرأ أيضاً ::

-

المعاندين للشرع

المعاندين للشرع

للإمام الشاطبي رحمه الله تعالى

الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان، لأن الله تعالى قال فيها: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ﴾ .

وفي حديث العرباض بن سارية قال: « وعَظَنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - موعِظةً بَليغةً، ذَرَفتْ منها العيون، ووَجِلت منها القلوبُ، فقالَ رجل: يا رسولَ الله، كأنَّ هذه موعظةُ مودِّعٍ، فماذا تَعْهدُ إلينا ؟ قال: « تركتُكُم على البيضاء؛ ليلُها كنهارها، ولا يزيغُ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ... » الحديث.

وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى أتى ببيان جميع ما يُحتاج إليه في أمر الدين والدنيا، وهذا لا مخالف عليه من أهل السنة.

فإذا كان كذلك؛ فالمبتدع إنما محصول قوله بلسان حالة أو مقالة: إن الشريعة لم تتم، وأنه بقي منها أشياء يجبُ أو يستحبُّ استدراكها، لأنه لو كان معتقداً لكمالها وتمامها من كل وجه، لم يبتدع ولا استدرك عليها، وقائل هذا ضالٌّ عن الصراط المستقيم.

قال ابن الماجشون: سمعت مالكاً يقول: « مَن ابْتَدَعَ في الإِسلام بدعة يَراها حَسَنة؛ فَقَدْ زَعَمَ أَن مُحمّدا - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خانَ الرّسالةَ؛ لأَن اللهَ يقولُ: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فما لَم يَكُنْ يَوْمَئذ دينا فَلا يكُونُ اليَوْمَ دينا ».

فالمبتدع معاندٌ للشَّرع، ومشاقٌّ له؛ لأن الشارع قد عيَّن لمطالب العبد طرقاً خاصة على وجوه خاصة، وقصَرَ الخلق عليها بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، وأخبر أن الخير فيها، وأن الشّر في تعديها إلى غيرها، لأن الله يعلم ونحن لا نعلم، وأنه إنما أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين. فالمبتدع رادٌّ لهذا كله؛ فإنه يزعم أن ثمَّ طرقاً أُخر، ليس ما حصره الشارع بمحصور، ولا ما عيّنه بمتعيّن، كأن الشارع يعلم، ونحن أيضاً نعلم. بل ربما يفهم من استدراكه الطرق على الشارع، أنه علم ما لم يعلمه الشارع، وهذا إن كان مقصوداً للمبتدع؛ فهو كفر بالشريعة والشارع، وإن كان غير مقصود فهو ضلال مبين .

وإلى هذا المعنى أشار عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، إذ كتب له عدي بن أرطأة يستشيره في بعض القدرية؟ فكتب إليه :

« أما بعد؛ فإني أوصيك يتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وترك ما أحدث الْمُحْدِثون فيما قد جرت سنّته وكُفُوا مؤنَتَه.

فعليك بلزوم السنة؛ فإن السنة إنما سنَّها من قد عرف ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمّق.

فارْضَ لنفسك بما رضي به القوم لأنفسهم، فإنهم على علم وقفوا، وببصر نافذ قد كفوا، وهم كانوا على كشف الأمور أقوى، وبفضلٍ كانوا فيه أحرى. فلئن كان الهدى ما أنتم عليه، لقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم: أمرٌ حدث بعدهم: ما أحدثه بعدهم إلا من اتبع غير سننهم، ورغب بنفسه عنهم.

إنهم لهم السابقون، فقد تكلموا منه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم مُقَصِّر، وما فوقهم مُحَسِّر، لقد قصر عنهم آخرون فجفَوْا، وطمح عنهم آخرون فغَلَوا، وأنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم ».

ثم ختم الكتاب بحكم مسألته .

فقوله: "فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها"؛ فهو مقصود الاستشهاد.

وكذلك فإن المبتدع قد نزَّل نفسه منزلة المضاهي للشارع؛ لأن الشارع وضع الشرائع وألزم الخلق الجري على سننها، وصار هو المنفرد بذلك؛ لأنه حكم بين الخلق فيما كانوا فيه يختلفون، وإلا؛ فلو كان التشريع من مدرَكَاتِ الخلق؛ لم تزل الشرائع، ولم يبق الخلاف بين الناس، ولا احتيج إلى بعث الرسل عليهم السلام.

هذا الذي ابتدع في دين الله قد صيَّر نفسه نظيراً ومضاهياً حيث شرع مع الشارع، وفتح للاختلاف باباً، ورد قصد الشارع في الانفراد بالتشريع وكفى بذلك شراً.

من كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي ( 1 / 61 )

-۞ أقرأ أيضاً ::

كمال الشريعة

الإمام ابن قيم الجوزية

كل بدعة سيئة وإن رآها الناس حسنة

العلامة ابن عثيمين

عليك بآثار من سلف

-